صفي الرحمان مباركفوري

94

الرحيق المختوم

وعن صهيب بن سنان الرومي رضي اللّه عنه ، قال : لما أسلم عمر ظهر الإسلام ، ودعى إليه علانية ، وجلسنا حول البيت حلقا ، وطفنا بالبيت ، وانتصفنا ممن غلظ علينا ، ورددنا عليه بعض ما يأتي به « 1 » . وعن عبد اللّه بن مسعود قال : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر « 2 » . ممثل قريش بين يدي الرسول صلى اللّه عليه وسلم وبعد إسلام هذين البطلين الجليلين - حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما - أخذت السحائب تنقشع وأفاق المشركون عن سكرهم في إدلاء العذاب والنكال إلى المسلمين ، وحاولوا مساومة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم بإغداق كل ما هو يمكن أن يكون مطلوبا له ؛ ليكفوه عن دعوته . ولم يكن يدري هؤلاء المساكين أن كل ما تطلع عليه الشمس لا يساوي جناح بعوضة أمام دعوته ، فخابوا وفشلوا فيما أرادوا . قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة ، وكان سيدا ، قال يوما ، وهو في نادي قريش ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد ؟ فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ، فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي اللّه عنه ، ورأوا أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يكثرون ويزيدون ، فقالوا : بلى ، يا أبا الوليد قم إليه ، فكلمه ، فقام إليه عتبة ، حتى جلس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السطة « 3 » في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها . قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قل يا أبا الوليد اسمع ، قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه - أو كما قال له - حتى إذا

--> ( 1 ) تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 13 . ( 2 ) صحيح البخاري ، باب إسلام عمر بن الخطاب 1 / 545 . ( 3 ) هي المنزلة الرفيعة المهيبة .